رضاء الخالق و محبة المخلوق..
دائما يشغلني حديث الامام علي (خَالِطُوا النَّاسَ مُخَالَطَةً إِنْ مِتُّمْ مَعَهَا بَكَوْا عَلَيْكُمْ، وَإِنْ عِشْتُمْ حَنُّوا إِلَيْكُمْ)
و غيرها من الاحاديث التي تحث على حسن الجوار ومداراة الناس..
احاول ان اضع هذا الحديث امامي في كل مره اعامل فيها غيري لكن النتيجة صعبة جدا بل شبه مستحيله في زماننا هذا
ثم بعد ذلك اتذكر حديثه اذ قال ع ( اني وجدت العافية في عشره اجزاء، تسعة منها في اعتزال الناس وواحده في الصمت)
لطالما فكرت في التناقضات بين الحديثين و اجد نفسي اميل كل الميل الى الحديث الثاني خصوصا في زماننا هذا الذي ضاع فيه الصدق من الكذب و المحبة من النفاق و الحق من الباطل و الصداقة الحقيقية من صداقة المصلحة..
و كما ورد في احد الروايات
ذهب الإخاءَ ذهابَ أمسِ الذاهبِ..
والناسُ بين مُخاتِلٍ ومُواربِ
يُفشونَ بينهُمُ المودّةَ والصَفا..
وقلوبُهُم مَحشُوَّةٌ بعقاربِ
واحدة من اصعب مهامي اليومية هي معامله الناس باحسان خصوصا عندما تبوء توقعاتي لمعاملة بعضهم لي بالمثل بالفشل..
ثم بعد ذلك بدات افكر ما الذي يثبت اني اعاملهم بصورة جيده و هم يعاملوني بصورة سيئه؟ جيدة و سيئة بالنسبة لي و لكن قد تكون العكس بالنسبة لهم.. ( اطلب لاخيك عذرا، فان لم تجد له عذرا فالتمس له عذرا)
ترجمة اقوال وافعال الاخرين تعتمد بصورة كبيره على البيئة التي نشئنا فيها.. قد يكون هناك شخص نشأ في بيئه معينه مع ناس يفسرون تجاربهم مع الاخرين بصورة خاطئة بل من المؤكد ان تدخل افكارهم ضمن حيز ظن السوء، هل يكون هذا الشخص مخطئا عندما يبدا بمعاملة الناس بنفس الطريقة؟ بالتاكيد.. و لكن ليس كليا!..بالتاكيد لان هناك عقل خلقه رب العباد لنستخدمه و نستفيد من احكامنا الدينيه التي تدعو الى اجتناب ظن السوء، لكن الامر ليس بتلك السهوله لان من شب على شيء شاب عليه، ماذنب هذا الانسان اذا قضى طفولته و فترة مراهقته بين ناس ينظرون الى كل شيء و كل شخص بنظرة " سوداء مكتئبة" و يحللون تجاربهم اليومية في ظل هذه النظرة. ماذنبه اذا نشأ في عائلة تحب الشهرة و المنافسة و الفوز ، بل قد تحثنه هذه العائله على ان يعمل لنفسه فقط في ما تحققه مصلحته هو فقط و ان سبب الظرر لغيره..
في المقابل شخص اخر محظوظ بوجوده مع ناس قد تركوا شأن الخالق للمخلوق و تعايشوا بطريقة ما جعلتهم يحبون الخير لغيرهم قبل انفسهم و لم تستهويهم منافع الدنيا.
النقطة الاولى و الاهم. اذا كنت اعامل الناس بالاحسان و انتظر ان يعاملوني بالاحسان فقد فشلت! نعم فشلت! لاني هنا ادخلت الرياء في افعالي.. اني انتظر شيء غير رضاء الله جزاء عملي هذا! كم هو مخيب ان اتوصل الى هذه الحقيقة الان فقط..
عندما يعيش الانسان في هذه الدنيا و هو لاينتظر جزاء لعمله غير
رضاء خالقه فانه حقا سيُفتَقَد من قبل الناس اذا رحل و سيتطلع الجميع لمصاحبته اذا حظر..
قد يعتبر الكثير هذا الكلام فلسفة، بل بالحقيقة انا نفسي متاكده اني سانسى كل هذا غدا او بعده و سارجع الى تفكيري السابق الذي يفرض علي ان انتظر من الناس الاحسان قبل حتى ان ابديه لهم..
النقطة الثانية: سر من اسرار التعايش مع الناس هو (لا تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَحَدٍ سُوءاً وَأَنْتَ تَجِدُ لَهَا في الخير مُحْتَمَلا) متى ما التزمنا بهذا الطريق صلُحنا
النقطة الثالثة الذي احب ان اذكرها هو حب الانسان للبروز في المجتمع، و هذا بالتاكيد جزء من حبه للدنيا. عن النبي صلي الله عليه و آله و سلم أنّه قال : «قال الله عزّوجلّ : إنّ من أغبط أوليائي عندي عبداً مؤمناً ذا حظ من صلاح ، أحسن عبادة ربّه ، وعبد الله في السريرة ، وكان غامضاً في الناس ، فلم يشر إليه بالأصابع ، وكان رزقه كفافاً فصبر عليه فعجّلت به المنيّة ، فقلّ تراثه ، وقلّت بواكيه » حب البروز هذا هو الذي يؤدي الى الاصطدامات بين الناس، متى ما طهرنا قلوبنا من شوائب الدنيا و سمت ارواحنا الى السماء مترفعين عن حطام الدنيا عند ذلك الوقت سنجد السلام و الطمانينه.
و اخيرا يجب علي ان اذكر انه في مجتمعنا هذا الذي فيه القابض على دينه كالقابظ على جمرة من نار، كثرة الاختلاط بين الناس في ما لا منفعة فيه دينية او دنيويه له تاثيارات جانبية كثيره على صحة الدين و الاخلاق. تاثيرات ايجابية اذا كان المجتمع من اهل الحق و سلبية في غير ذلك، الا ما رحم ربي طبعا و جعله محصناً امام كل ما من شأنه ان يغير فكره و عقيدته- وهذا مما ندر.
قال ص (أحبّ الناس إليّ منزلة رجل يؤمن بالله ورسوله ، ويقيم الصلاة ، ويؤتي الزكاة ، ويعمر ماله ، ويحفظ دينه ، ويعتزل الناس)
و قال الباقر ع (كان أميرالمؤمنين عليه السلام يقول : يأتي على الناس زمان يكون فيه أحسنهم حالاً من كان جالساً في بيته)
من الصعب جدا الاقتداء باخلاق الرسول ص و ال بيته و لكن لا ضير من المحاوله فلنحاول ان نكون كما قال ع (لا تزيدني كثرة الناس حولي عزة ولا تفرقهم عني وحشة)..
اللهم اخرج حب الدنيا من قلبي و ارزقني رضاك و حب من يحبك.. اللهم اعني في ان تكون اعمالي خالصة لوجهك و طهرها من الرياء..
نسالكم الدعاء